المغرب الجديد:
لم يكن المؤتمر المحلي لحزب الأصالة والمعاصرة (PAM) المنعقد بـ”فضاء أوتار الصغيري” بابن جرير مجرد محطة عادية لاستكمال هيكل تنظيمي بقدر ما كان”عملية إنعاش سياسي مستعجلة” لتنظيم عاش لفترة ليست بالقصيرة على إيقاع التجاذبات والتباينات الداخلية التي أرخت بظلالها على أدائه المحلي بقلعة الرحامنة.
الشعار الذي رُفع للمؤتمر:“من أجل انطلاقة جديدة في خدمة ابن جرير”يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بأن الماكينة الانتخابية والتأطيرية للحزب كانت بحاجة إلى”صدمة تنظيمية” تعيدها إلى سكتها الصحيحة.
المتتبع لتفاصيل المؤتمر يدرك أن اختيار عبد الفتاح كمال لتسيير الأشغال والبدء بلفتة وفاء ذات حمولة عاطفية وتربوية ترحماً على روح أحد المؤسسين الراحل طارق سلمان العلامي كان بمثابة تمهيد ذكي لتهدئة النفوس وتذكير الجميع بالمرجعية المشتركة قبل الدخول في”مشرط” التشخيص السياسي.
وقد بدت رسائل القيادات الحاضرة واضحة ومشحونة بالدلالات:
خطاب “الواقعية” للوردي رئيس الجماعة الترابية لابن جرير الذي وضع إصبعه على الجرح مباشرة عندما دعا إلى “طي صفحة الماضي”.
وهي إشارة لبيبة إلى أن استمرار الصراعات الشخصية أو الفئوية قد يعصف بمكتسبات الحزب في مدينته المدللة.
أما براغماتية التويزي رئيس الفريق النيابي ركز على”حتمية تجديد النخب”وهي رسالة موجهة للحرس القديم بأن التغيير قادم لا محالة.وأن ضخ دماء شابة لم يعد ترفاً فكرياً بل طوق نجاة سياسي.
وأخيرا يأتي ذكاء الزعيم الاقتصادي والرياضي فالبرلماني عبد اللطيف الزعيم عرف كيف يلتقط النبض العام فوظّف إنجازات المنتخب الوطني في كأس العالم 2026 الحالية كجسر لرفع المعنويات وتمرير خطابه حول ضرورة استعادة “منسوب الثقة” المفقود بين المواطن والمؤسسة الحزبية عبر النزول للميدان.
النقطة الأبرز التي استوقفتني في هذا المؤتمر هي هندسة المشهد الختامي.
فبعد استعراض محمد حمدي رئيس اللجنة التحضيرية لتقرير أدبي عكس كواليس لقاءات ماراطونية لرأب الصدع ظهرت ملامح الصفقة التنظيمية الناجحة.
وصعود منعم بوالدية كمرشح وحيد ونيله الإجماع لمنصب الأمين المحلي لم يكن وليد الصدفة بل كان خياراً استراتيجياً اتخذته القيادة الإقليمية لتفادي”شبح الانقسام”الذي تخلفه عادة صناديق الاقتراع المشحونة.
التوافق هنا كان بمثابة الإسفنجة التي امتصت غضب التيارات المتنافسة.
تأكيد المؤتمر في بيانه الختامي على أن انتخاب منعم بوالدية هو”بداية لورش سياسي جديد”يضع القيادة الشابة المحتفى بها أمام امتحان عسير. فالرهان في إقليم الرحامنة لم يعد يتعلق فقط بعقد المؤتمرات وتلاوة برقيات الولاء والإخلاص بل بمدى قدرة هذه النخب الجديدة على تحويل الشعارات إلى مشاريع تنموية ملموسة على أرض الواقع وإثبات أن”الجرار”مازال يملك القدرة على الحرث في أراضي ابن جرير السياسية بنفس القوة السابقة.







