« سي عبد الرحمان ».. رجل التناوب وجراح « السكتة القلبية »

زعيم سياسي يساري، عرف بمعارضته للنظام، لينقل إلى قيادة تجربة سياسية لمغرب حديث، فقد شكل تعيين عبد الرحمان اليوسفي وزيرا أولا من طرف الملك الراحل الحسن الثاني محطة تاريخية في المسار السياسي بالمغرب، وانتقل بذلك اليوسفي من أكبر معارض للنظام إلى متزعم للتدبير الحكومي في حكومة التناوب لسنة 1998.

ابن ميدنة البوغاز طنجة الدولية الذي رأى بها النور في 1924، رجل ذو إرث ثقافي عالمي واسع، شاء القدر أن يغادرنا اليوم الجمعة 29 ماي 2020 إلى دار البقاء، تاركا وراءه تاريخا حافلا بالنضال السياسي.

نشأ  اليوسفي وترعرع  قبل أن يشد الرحال إلى مراكش لإكمال تعليمه الإعدادي والثانوي وعمره لم يتعدى 12 سنة، وهو الأمر الذي كان يُعتَبر إنجازا كبيرا في فترة نهاية ثلاثينيات القرن الماضي.

يتيم الأب منذ طفولته، أخ لمغربي راح ضحية الاختفاء القسري أيام الاستعمار الإسباني لشمال المغرب، كان له هوس كبير بالصحافة، واختار مسلك الحقوق ليكون بعد ذلك من كبار مُحامِيي البلاد، خريج دراسات عليا في العلوم السياسة وناشط كبير في مجال حقوق الإنسان.

الملك الحسن الثاني يكلف اليوسفي بحكومة التناوب

ذكر عبد الرحمان اليوسفي في مذكراته قائلا: « استقبلني المرحوم الحسن الثاني في القصر الملكي بالرباط، يوم الأربعاء 4 فبراير 1998، ليعينني وزيرا أول. وأكد لي قائلا: « إنني أقدر فيك كفاءتك وإخلاصك، وأعرف جيدا، منذ الاستقلال أنك لا تركض وراء المناصب بل تنفر منها باستمرار. ولكننا مقبلون جميعا على مرحلة تتطلب بذل الكثير من الجهد والعطاء من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام، حتى نكون مستعدين لولوج القرن الواحد والعشرين ».

وأضاف في مذكراته « كنت على استعداد أن أضمن لك الأغلبية لمدة أربع سنوات، ولك أن تختار فريقك الحكومي كما تشاء. غير أنه ونظرا لأن مجلس الأمن اتخذ قرارا بإجراء استفتاء في الصحراء قبل نهاية هذه السنة (أي 1998)، فإننا في هذه الحالة سنكون في حاجة لخبرة وزير الداخلية الحالي إدريس البصري، الذي أشرف على إدارة ملف أقاليمنا الجنوبية منذ خمس عشرة سنة، كما سأطلب من رئيس الحكومة الحالي السيد الفيلالي أن يتولى وزارة الشؤون الخارجية التي أشرف عليها منذ سنوات لنفس الأسباب، أما باقي الوزراء فأنا أنتظر اقتراحاتك ».

وذكر أنه ارتاح عندما انتهت الاتصالات التي تلت تكليفه برئاسة حكمة التناوب، يوم 4 فبراير 1998. ولم يكن مصدر « هذا الارتياح عدد المقاعد الذي حصلنا عليها، مع حلفائنا في الكتلة الديمقراطية، رغم أنها تعبر عن حقيقة الخريطة السياسية في المغرب، بل لقد كان ما لمسته في جلالته من عزم أكيد على إنجاح تجربة التناوب، كان هذا هو مصدر الارتياح ».

وقال اليوسفي إن الملك الحسن الثاني « حباني بالضمانات السياسية والأخلاقية التي من شأنها أن تعطل المعول السلبي، لما اتسمت به الانتخابات ونتائجها ومما اشتكى منه الجميع، وأكثر من ذلك لمست فيه ما يبعث الثقة والاطمئنان في النفس، أن هناك قرارا حقيقيا من جلالته بالدخول في عملية إصلاح شاملة، تتدارك ما فات وتؤسس لما هو آت ».

عبد الرحمان اليوسفي والملك الراحل الحسن الثاني

اليوسفي.. جيوب المقاومة وإدريس البصري

في مذكرات عبد الرحمان اليوسفي، ذكر أنه منذ أن نهج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية النضال الديمقراطي، والمشاركة في جميع الاستحقاقات المحلية والتشريعية، كان إدريس البصري يهيمن على ما أطلق عليه « أم الوزارات »، أي وزارة الداخلية، التي كانت لها اليد الطولى في تزوير الانتخابات وفي صنع الأحزاب الإدارية قبل أي استحقاق لتحتل المراتب الأولى فيه.

كان قدرنا في المعارضة، يقول « مقاومة هذا الأسلوب والتصدي له. وبفضل صمود وتضحيات المناضلين، تمكنا من الاستمرار في مواجهة هذا النهج الذي وقف سدا منيعا أمام تقدم المغرب وحال دون بناء إنسان مغربي متحرر من القيد، يسعى للعيش في مغرب ديمقراطي بكل ما تحمله الكلمة من معنى ».

اقترح عليه المرحوم الملك الحسن الثاني، « الاحتفاظ بإدريس البصري وزيراً للداخلية في حكومة التناوب التوافقي لأن مجلس الأمن كان ينوي إجراء الاستفتاء في أقاليمنا الجنوبية، سنة 1998، ولكونه كان ماسكا بهذا الملف لأزيد من 15 سنة، فضلت أن يكون ضمن الطاقم الحكومي، بدل أن يلتحق بالديوان الملكي، ويصبح آنذاك في موقع لن يتردد في استغلاله من أجل وضع عراقيل من شأنها تعقيد طرق الاتصال بجلالة الملك، وبالتالي عرقلة النشاط الحكومي ».

يضيف اليوسفي « كان قراري أن بقاءه داخل التشكيلة الحكومية، يمنحنا فرصا أكثر لمواجهة أي محاولة من شأنها التأثير على البرنامج الحكومي. وهذا ما حصل فعلا، بحيث لم يعد يقوم بنفس الدور الأساسي والرئيسي الذي كان يعتقد أنه الوحيد القادر على إنجازه ».

وذكر أنه « ورغم التعليمات التي أصدِرت إليه من طرف جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله، بعد تعييني وزيرا أول، بواجب الدعم من أجل إنجاح هذه التجربة، إلا أنه وكما يقال، الطبع يغلب التطبع ».

اليوسفي وادريس البصري

اليوسفي يختار ابنة رجل أعمال يوناني رفيقة دربه

تعرف على زوجته هيلين بالصدفة في الدار البيضاء سنة 1974، كانت المناسبة انتهاء السنة الدراسية بنجاح، حيث قرر أن ينظموا عرضا مسرحيا كان نصيب اليوسفي فيه دور النادل.

قرر المخرج أن يرتدي اليوسفي في دوره بدلة بيضاء، لم يكن يتوفر عليها فتوجه إلى الخياط لتحضيرها، ودله أحدهم إلى خياط كان قد حل حديثا بالمدينة قادما إليها من فرنسا، وهو والد « هيلين » التي ستكون زوجته بعدها.

جمعته صدفة ثانية بعائلة هيلين عندما دعاه الحاج أحمد بناني تاجر الأثواب بالجملة بالدار البيضاء إلى تناول العشاء، وحينها تعرف على عائلة هيلين، وهي عائلة من أصل يوناني معروفة تحمل اسم « كيسيسوكولو ».

دامت خطبة عبد الرحمان اليوسفي بهيلين زمنا طويلا، ساهم في إطالتها اعتقاله الأول سنة 1959، ثم اعتقاله الثاني سنة 1963، ثم قضية المهدي بن بركة، حيث سافر لمتابعة القضية كطرف مدني بباريس ولم يصدر الحكم إلا سنة 1967.

بعد 21 سنة من التعرف على هيلين وعائلتها، قرر اليوسفي عقد قرانه مع السيدة التي انتظرته وتحملت معه الصعاب، حيث عقدا قرانهما ببلدية الدائرة السادسة لمدينة باريس وأشرف على العقد محاميه أحمد بن بلة والأستاذة مدلين لفو فيرون.

تحملت هيلين وضحت بالكثير من أجله، هكذا قالها اليوسفي، وساعدته في رحلة الغربة الشاقة والمتعبة واعترف بأنه « مدين لها بالكثير ».

عبد الرحمان اليوسفي وزوجته هيلين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.