المغرب الجديد:
لم تعد رحلة البحث عن أضحية العيد في المغرب مجرد جولة عادية في أسواق الماشية بل تحولت قبل يومين من النحر إلى “رحلة قهر” حقيقية تخوضها الأسر المغربية ضد واقع اقتصادي مرير يفرضه وسطاء ومضاربون (الشناقة) نزعوا من قلوبهم الرحمة وحوّلوا شعيرة دينية مقدسة إلى بورصة سوداء تلتهم جيوب البسطاء.
خلف جدران الأسواق الملتهبة لم يعد المشهد يقتصر على المساومة بل تعداه إلى ملامح انكسار واضحة ترتسم على وجوه آباء وعائلات وجدوا أنفسهم عاجزين أمام أرقام خيالية تتجاوز قدراتهم الشرائية بأضعاف ليصبح السؤال المطروح اليوم: كيف سُرقت بهجة العيد من بيوت ذوي الدخل المحدود؟
في الوقت الذي كان ينتظر فيه المواطن أن تساهم الإجراءات الحكومية ودعم المستوردين في خفض الأسعار فرض “الشناقة” قانونهم الخاص مستغلين ضيق الوقت وحرج الآباء أمام أطفالهم.
هؤلاء المضاربون احتكروا السلع في “الأمتار الأخيرة” قبل العيد ليرتفع سعر الأضحية العادية إلى مستويات غير مسبوقة (تتراوح بين 4500 و6000 درهم) وهي تكلفة تعادل راتب شهر كامل لشرائح واسعة من الأجراء والموظفين.
صرخة من قلب “الرحبة”
”ليس الغلاء وحده ما يقتلنا، بل هذا العجز الذي نراه في عيون أطفالنا. جئنا والجيوب شبه فارغة والأسعار لا ترحم والمضاربون يضحكون في وجوهنا وكأنهم يبيعون قطعاً من الذهب لا أكباشاً لعيد ديني.”
(شهادة مواطن مخنوق بنبرة حسرة من داخل أحد أسواق البيع)
هذا الارتفاع الصاروخي الذي تشهده الأسواق قبل 48 ساعة من العيد يضع المجتمع المغربي أمام حقيقة مقلقة فالعيد الذي كان رمزاً للتكافل والبهجة بات يكرس فوارق اجتماعية صارخة. عائلات تشتري دون مبالاة وأخرى تبيت ليلتها على إيقاع هموم القروض المنهكة أو تختار مرغمة الانكسار والعزوف عن الشراء.
إنها ليلة بيضاء يعيشها المغاربة ليس ترقباً لصلة الرحم وفرحة النحر بل بحثاً عن “معجزة” في اللحظات الأخيرة تضمن لهم كبشاً يحفظ كرامتهم ويداوي جراحاً أحدثها جشع لا ينتهي في أسواق تركت المواطن البسيط وحيداً في مواجهة الغلاء.