banner

الأحكام المعطلة في حق المنتخبين: اختبار صرامة “الوصاية” وهيبة القضاء الترابي..

المغرب الجديد:

يعيد تحرك وزارة الداخلية، ممثلة في مديرية الشؤون القانونية والمنازعات، لجمع ودراسة الملفات القضائية المتعثرة لمنتخبين ومسؤولين ترابيين، طرح قضية إشكالية تتعدى حدود الإجراءات الإدارية العادية لتلمس جوهر دولة الحق والقانون وهي إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية النهائية المستوفية لكافة طرق الطعن.

يمثل هذا التحرك المركزي استجابةً لتقارير ميدانية وردت من عدد من العمالات والأقاليم، لا سيما بجهتي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة، رصدت بطء إجراءات تنفيذ العقوبات السجنية الصادرة في حق رؤساء جماعات ومستشارين حاليين وسابقين. ويتطلب الفهم العميق لهذه الخطوة قراءة الجوانب التنظيمية والقانونية والسياسية التي تحكم هذه الدينامية.

تفرض الإدارة المركزية في مقاربتها الحالية تمييزاً قانونياً حاسماً ينقسم إلى شقين:

الملفات القائمة قضائياً: وهي القضايا التي لا تزال معروضة على أنظار المحاكم في مراحل الاستئناف أو النقض. وفي هذه الحالة، يظل التأخير مكفولاً بقرينة البراءة والمساطر القانونية الجارية.

الأحكام الحائزة لقوة الشيء المقضي به: وهي القضايا التي استنفدت جميع طرق الطعن العادية وغير العادية (ورفضت بشأنها طلبات النقض)، فأصبحت واجبة النفاذ بشكل فورى.

إن تعثر التنفيذ في الفئة الثانية هو ما يثير تساؤلات قانونية حول مكامن الخلل الإجرائي، إذ إن بقاء الحكم النهائي دون تنفيذه يُدخل الصفة الانتخابية للفاعل السياسي في منطقة “رمادية” تُعطل معها أحكام القانون التنظيمي للجماعات (113.14)، لا سيما المواد المتعلقة بإسقاط العضوية والتجريد من الانتداب

ويُشكل ملف جماعة “حد السوالم” بإقليم برشيد إحدى الحالات المرجعية التي استأثرت باهتمام سلطات الوصاية، بعد صدور قرار محكمة النقض في يوليوز 2024 بفض طلب النقض المتعلق بالرئيس السابق للجماعة. وعلى الرغم من أن الحكم حاز صفة النهائية وجاهزية التنفيذ (سنتان حبساً، منها سنة نافذة)، فإن التعثر الذي طال مرحلة الإجراءات التنفيذية سلط الضوء على الفجوة الزمنية الممتدة بين النطق بالحكم وإنفاذه.

وتؤكد التقارير أن هذه الحالة ليست معزولة، بل تعكس نمطاً تكرر في مجالس ترابية أخرى، حيث يستمر منتخبون صَدرت في حقهم قرارات إدانة في ممارسة مهامهم أو الاحتفاظ بنفوذهم المحلي لفترات متباينة، مما يُحدث إرباكاً في سير المرفق العام.

و يتجاوز تأثير تأخير تنفيذ الأحكام الصادرة في حق المنتخبين الجانب الزجري الفردي، ليمد آثاره إلى بنية الحكامة الترابية:

ـ مشروعية القرارات الإدارية: إن استمرار منتخب أو رئيس مجلس في توقيع المقررات وصرف الميزانيات بعد صدور حكم نهائي في حقه يضع الأعمال الإدارية الصادرة عنه تحت طائلة الطعن بالإلغاء لفقدان المشروعية.

ـ ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة: يُسهم الانطباع بوجود تفاوت في سرعة تنفيذ الأحكام بين المواطن العادي والفاعل السياسي في تقويض الثقة في نجاعة العدالة ومبدأ المساواة أمام القانون.

تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة: يُعد إنفاذ الأحكام الشق التكميلي والأهم لمساطر التفتيش والمراقبة؛ وبدونه تفقد التقارير الرقابية قيمتها الردعية.

تشير المعطيات التحليلية إلى أن عملية الحصر والفرز التي تقوم بها وزارة الداخلية تُعد تمهيداً لاتخاذ قرارات حاسمة تتوزع على مستويين:

ـ تنسيق إداري-قضائي مكثف: لتوحيد المساطر بين النيابات العامة والسلطات الترابية لضمان تسريع الإجراءات التنفيذية فور استيفاء الشروط القانونية.

ـ تفعيل مساطر العزل التلقائي: اتخاذ قرارات التجريد من الصفة الانتخابية بناءً على المعطيات المجمعة، دون انتظار مبادرات فردية، لتطهير المجالس الترابية المعنية وتخليق الحياة العامة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.