banner

​تسعيرة العيادات وصناديق التغطية الصحية.. عندما تُختزل أزمة المنظومة في جيب المريض وسمعة الطبيب

المغرب الجديد:

بين المطالب الشعبية الداعية إلى تسقيف أتعاب الاستشارات الطبية، والواقع الميداني الذي يفرض كلفته على أطباء القطاع الخاص، يتحول النقاش الجاري حول “تسعيرة العلاج” إلى مواجهة مجتمعية صامتة، تختزل أزمة التغطية الصحية بالمغرب في صراع بين “مريض مجهد ماليًا” و”طبيب مُتهم بالتغول”. غير أن النظرة التحليلية لعمق الأزمة تكشف أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد أرقام تُتداول على منصات التواصل الاجتماعي.

إن الدعوة إلى تسقيف سعر الاستشارة الطبية في حدود 150 درهماً، وإن كانت تبدو للوهلة الأولى منطقية ومستجيبة للقدرة الشرائية للأسر المغربية، إلا أنها تتغاضى عن واقع سوسيواقتصادي معقد. فالعيادة الطبية اليوم ليست مجرد مكتب لاستقبال المرضى، بل هي وحدة اقتصادية وخدماتية تخضع لتكاليف كبرى، بدءاً من استثمار المعدات والتقنيات الحديثة، مروراً بأجور الأطر التمريضية والإدارية، وصولاً إلى الواجبات الضريبية وكلفة التكوين المستمر والتأمين عن الأخطاء الطبية. وأي محاولة لفرض تسقيف عشوائي لا يراعي هذه التكاليف قد تدفع المنظومة -عن غير قصد- نحو تراجع جودة الرعاية الصحّة، أو دفع الكفاءات للبحث عن آفاق أخرى.

وفي المقابل، فإن الخلل الهيكلي الحقيقي لا يكمن في الأتعاب التي يحددها الأطباء بقدر ما يكمن في “الجمود التاريخي” للتعريفة المرجعية المعتمدة من طرف صناديق التغطية الصحية (CNOPS و CNSS). فمن غير المقبول منطقياً أن تظل التعريفة المرجعية مجمّدة لعقود دون مراجعة تفاعلية تتماشى مع معدلات التضخم وارتفاع أسعار الحياة والمستلزمات الطبية. هذا التجميد هو الذي خلق “الفجوة المالية” الحادة التي يدفع ثمنها المواطن من جيبه الخاص، حيث يجد المؤمن نفسه أمام استرجاع مالي هزيل لا يعكس واقع التكلفة الفعلية للعلاج.

إن المطلوب اليوم لمواجهة هذه الإشكالية ليس تأليب الرأي العام ضد المهنيين، ولا إعفاء صناديق التأمين من مسؤولياتها، بل الرهان على حكامة صحية شاملة:

أولاً: الإسراع بمراجعة وتحيين التعريفة المرجعية الوطنية لتكون عادلة ومواكبة للواقع الاقتصادي.

ثانياً: التزام العيادات الخاصة بالشكل التام بالشفافية وإشهار لائحة الأتعاب والخدمات بشكل واضح ومسبق يضمن حق المريض في المعرفة والاختيار.

ثالثاً: تعزيز دور التغطية الصحية الشاملة كدرع واقٍ حقيقي، يرفع نسبة الاسترجاع الفعلي للتقليل من المبالغ المتبقية على عاتق المؤمنين (Le ticket modérateur).

في النهاية، لن يستقيم إصلاح ورش التغطية الصحية بالمغرب ببناء قطاع خاص محاصر أو بترك مريض أعزل أمام مصاريف العلاج، بل بإنتاج صيغة توافقية تضمن للطبيب كرامته واستقلالية ممارسته المهنية، وتضمن للمريض حقه المبدئي في علاج يصون قدرته الشرائية وكرامته الإنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.