المغرب الجديد:
في الوقت الذي تتسابق فيه الأحزاب السياسية لإعداد برامج انتخابية رنانة وتجنيد خبراء التسويق الرقمي وصياغة شعارات براقة حول “التنمية المستدامة” و”التمكين النسائي” تُدار في الكواليس المعتمة حملات من نوع آخر حملات لا تعتمد على لغة الأرقام أو قناعات الناخبين بل على رائحة الجاوي وتسابيح “السي أحمد مول البركة”.
السي أحمد ليس خبيراً في العلوم السياسية ولم يدرس يوماً استطلاعات الرأي لكنه بات الرقم الصعب في المعادلة الانتخابية لعدد من المنتخبات والسياسيات اللواتي يجدن في “بركاته”الوصفة السحرية للوصول إلى الكرسي ما عجزت عنه خطاباتهن في المهرجانات الخطابية.
المشهد يبدو سريالياً سياسيات يرتدين أحدث صيحات الموضة يتحدثن في النهار عن الحداثة والمساواة ودولة المؤسسات وفي الليل يطرقن أبواب قاعة انتظار “السي أحمد” التماساً لـ “حجاب القبول” أو “تميمة النصر”.
هذا التناقض الصارخ يطرح سؤالاً مستفزاً: هل فقدت النخب السياسية النسوية الثقة في صناديق الاقتراع إلى حد الاستنجاد بالغيبيات؟
الواقع يقول إن اللجوء إلى “السي أحمد” ليس مجرد بحث عن طمأنينة نفسية بل هو انعكاس لأزمة وعي سياسي عميقة حيث يُنظر إلى المقعد البرلماني أو الجماعي كـ “غنيمة” تجوز كل الوسائل للوصول إليها حتى لو كان الثمن تقديم الولاء لفقيه يزعم التحكم في مصائر الأصوات والقلوب.
خلف الأبواب المغلقة يتحول “السي أحمد” من مجرد رجل دين أو معالج روحي إلى “مهندس انتخابي” يدير خيوط اللعبة. يحدد للمرشحة متى تخرج للقاء الناس وبأي قدم تلجأ إلى مقر الحزب وماذا تقرأ في سرها وهي تواجه منافسيها.
الغريب في الأمر أن هؤلاء السياسيات اللواتي يطالبن بوعي الناخب وتجاوز الولاءات التقليدية يقعن في فخ التبعية المطلقة لسلطة الشيخ. وبدلاً من أن تكون الكفاءة والبرنامج الحزبي هما الفيصل يصبح “الرضا الروحي” للسي أحمد هو مؤشر النجاح.
فكيف يمكن لامرأة تسعى لتمثيل الشعب وتشريع القوانين وتسيير الشأن العام أن تكون مسلوبة الإرادة أمام تعاويذ وفقرات يكتبها فقيه خلف جدران غرفته المظلمة؟
العلاقة بين “السي أحمد” وزبوناته من السياسيات ليست لوجه الله، بل هي صفقة “بزنس” متكاملة الأركان.
السياسية تدفع بسخاء من أموال الحملات الانتخابية لضمان “التحصين من كيد المنافسين” والفقيه يستغل نفوذه الروحي المزعوم ليتحول إلى سلطة خفية توجه قرارات وتوجهات من سيجلسن غداً تحت قبة البرلمان.
إنها تجارة بالوهم تظهر أن شعارات الحداثة والتمكين لبعض السياسيات ليست سوى قشرة خارجية تُخفي خلفها عقلية غارقة في الغيبيات والانتهازية السياسية.
وأخيرا وليس اخيرا لان لنا عودة في الموضوع ..
حين يصبح “السي أحمد” هو المستشار السري والموجه الفعلي للمنتخبات فإن الديمقراطية تصبح مجرد مسرحية هزلية. إن الأصوات التي تُشترى بالبخور والتمائم لا يمكن أن تصنع وطناً أو تبني مؤسسات. وإلى أن تتخلص السياسيات من عقدة “البركة والشيخ” ويعتمدن على الكفاءة والنزاهة والقرب الحقيقي من المواطن، سيبقى “السي أحمد” هو الناخب الأكبر، والمتحكم الفعلي في كراسي السلطة!