حين يُباع الحبر على أعتاب “تشريعيات 2026″…

المغرب الجديد:

في كل مرة تعود فيها دقات الساعة إلى موسم الانتخابات، تُبعث من بين الرماد أرواحٌ صحفية وأقلام لم ينطق بعضها طيلة خمس سنوات. ومع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تتفتح أسواق الحبر على مصراعيها ليتصدر المشهد زحام مائع تختلط فيه الحقائق بالأكاذيب وينمحي الخط الفاصل بين “النضال الصادق” و”الاسترزاق السياسي”.

لقد أصبحت الخريطة الإعلامية والشبكية اليوم أشبه بساحة حرب بالوكالة، تشتعل فيها النيران من كل حدب وصوب ويزداد فيها اللغط وتتناسخ الإشاعات كالفطريات. تجد أقلاماً ترتدي مسوح البراءة والغيرة الوطنية، تخاطب عواطف الناس وتسوق نفسها كصوت للمقهورين، بينما هي في الواقع ليست سوى بيادق تُحرّك من خلف الستار. وعلى الضفة الأخرى، تتجند “كتائب إلكترونية” وأقلام “تحت الطلب” وظيفتها الوحيدة الرد والتخوين وتلفيق التهم وإشعال الفتن الوطنية لإلهاء الرأي العام عن البرامج والحلول الحقيقية.

ولعل أخطر ما نشهده في هذه الملحمة الفوضوية هو محاولات الركوب الرخيصة عبر إقحام رجال السلطة ومؤسسات الدولة في معارك سياسية ضيقة وجرّ الهيئات التقريرية والتنفيذية إلى وحل المزايدات الانتخابية.

بين مطرقة الاتهامات وسندان الدفاع المجاني يُراد للسلطة أن تكون شماعة لتعليق الفشل أو ذريعة لتبرير العجز الانتخابي، في وقت ينبغي أن تظل فيه المؤسسات في مسافة أمان واحدة من الجميع احتكاماً للقانون والقضاء وحدهما.

في هذا المشهد الرث، حيث “يختلط الحابل بالنابل” ويصعب على المواطن البسيط تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود، يصبح الانحياز لأي طرف ليس مجرد خطأ مهني، بل انزلاقاً نحو السقوط الأخلاقي.

إن الدخول في هذه المعارك المفتعلة دون يقين هو التورط بعينه في خدمة أسراب اللصوص الذين يقتاتون على التضليل.

إن القلم الحقيقي في هذه المرحلة الاستثنائية ليس ذاك الذي يُرفع ليصفق ولا ذاك الذي يُشرع ليشتم، بل هو القلم الذي يملك شجاعة “الاستمساك بالحياد والاستعلاء عن الخوض في المستنقع”.

أن تختار الحياد في زمن الهستيريا الانتخابية لا يعني السلبية أو الهروب، بل يعني الوقوف على أرض صلبة ومراقبة المشهد بعيون رادارية لا تغريها الشعارات ولا ترعبها الضغوط. يعني أن ترفض تصنيفك ضمن أي “كتيبة”وأن تأبى جعل حبرك وقوداً لمعارك شخصية أو حزبية ضيقة.

سيزول موسم الانتخابات وستنطفئ نيران الكتائب المزيفة وسيرحل “فرسان اللحظة الأخيرة” بعد أن يقبضوا ثمن صخبهم. وحينها فقط، عندما يهدأ العجيج وتنقشع الغبرة، لن يتبقى في الذات والذاكرة سوى الكلمة الصادقة التي لم تتلوث بالزيف.

دع أقلامهم تحترق في شرر الإشاعات ودع كتائبهم تتطاحن على السراب… وابقَ أنت في موقع الشاهد الخبير، ترقب عن كثب، وتحفظ للأمانة حقها، حتى يبزغ فجر الحقيقة ساطعاً لا شائبة فيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.