المغرب الجديد:
في تحرك يعكس نهاية زمن “السائبة الجبائية” تحت عباءة العمل الجمعوي، فتحت المديرية العامة للضرائب عش الدبابير الذي ظل عصياً على المساءلة لسنوات. لم يعد الأمر مجرد إجراءات إدارية روتينية، بل بداية حملة تطهير واسعة تستهدف خرقاً هيكلياً ظل يتستر خلف شعارات “العمل الخيري” والأنشطة المدنية غير الهادفة للربح.
المعرف الضريبي: الورقة التي كشفت “الربح الخفي”.
عقود من العمل في العتمة الجبائية تهاوت بمجرد أن حركت مصلحة تحليل المخاطر أدواتها تقاطعية البينات. الصدمة لم تكن في وجود جمعيات تمارس نشاطها دون معرف ضريبي (Identifiant Fiscal) فحسب، بل في كون هذه الجمعيات تدير ميزانيات ضخمة وتصرف أجوراً وتعويضات سخية للخبراء والمؤطرين وتستفيد من منح وتدفقات مالية عمومية وخاصة، دون أن يدخل سنتيم واحد منها في دائرة الشفافية الضريبية.
لقد كشفت التحقيقات الأولى عن مغالطة سائدة ومريحة للعديد من الفاعلين: الخلط العمدي (أو الساذج) بين “الإعفاء من الضريبة على الأرباح” وبين “الإعفاء من الالتزامات الجبائية”. فالإعفاء من ضريبة معينة لا يعني مطلقاً العيش خارج القانون ولا يسقط واجب الحصول على المعرف الضريبي باعتباره “بطاقة الهوية” المالية لأي كيان يتعامل في السوق.
تجارة تحت السجادة وحجز من المنبع مُغيّب..
إن دخول فرق الافتحاص الجبائي على خط مراجعة الوثائق المحاسبية والمالية للجمعيات يضع الكثير من رؤسائها وأمين ماليتها على صفيح ساخن. فالعين الرقابية لم تعد تتطلع فقط إلى أوراق التأسيس، بل أصبحت تنبش في:
الاقتطاع من المنبع (Retenue à la source): أين تذهب اقتطاعات أجور المستخدمين الدائمين والتعويضات العرضية للخبراء؟ غياب المعرف الضريبي كان حيلة مثالية لعدم تحويل هذه المبالغ لخزينة الدولة.
ـ الأنشطة الموازية ذات الطابع التجاري: جمعيات تسوق خدمات وتدريبات بمقابل مالي وتحقق أرباحاً تحت مسمى “دعم الموارد”، ممارسةً بذلك منافسة غير شريفة مع المقاولات التي تخضع لضغط ضريبي خنّاق.
ـ مطابقة الدعم العمومي بالمصروفات: تقاطع المعطيات بين قطاعات الدولة المانحة وإدارة الضرائب كشف عن مفارقات صارخة بين حجوم التمويلات المحصل عليها وما يتم التصريح به فعلياً.
نهاية عصر “السذاجة الجبائية”..
الرسالة التي وجهتها المديرية العامة للضرائب عبر إشعاراتها المباغتة واضحة ولا تقبل التأويل: “العمل الجمعوي ليس ملاذاً آيدولوجياً أو مالياً للتهرب الضريبي”.
إن المهلة الجارية لتسوية الأوضاع ليست سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة؛ إذ إن الانتقال إلى مرحلة المساطر الزجرية والمراقبة الميدانية المباشرة سيعري بلا شك عشرات الجمعيات التي ظلت تشتغل كـ “شركات مقنعة” بلا دفاتر محاسبية، وسيدفع القطاع الجمعوي برمته نحو ممارسة أكثر احترافية ونزاهة، أو الخروج النهائي من المشهد…