شهادة من الواقع.. كيف قيّم الصحفي حمدي أداء الدكتور الجامعي عز الدين الميداوي في لقاءات الرحامنة؟

المغرب الجديد:

بقلم الصحفي محمد حمدي:

أكتب هذه السطور ليس من موقع المناضل الحزبي، ولا من موقع من يبحث عن مبررات لشخص أو جهة، وإنما من موقع من حضر وتابع عن قرب خمس محطات تواصلية من أصل ستة لقاءات أطرها الدكتور الجامعي عزالدين الميداوي مع مناضلات ومناضلي حزب الأصالة والمعاصرة بعدد من الجماعات الترابية بإقليم الرحامنة. وخلال هذه اللقاءات، تشكلت لدي صورة خاصة عن الرجل، قد تختلف بطبيعة الحال عن الصور التي تُرسم عنه من بعيد، لأن السياسة، في نظري، لا تُفهم فقط من خلال الخطب والبيانات، وإنما أيضاً من خلال طريقة التعامل مع الناس، وكيفية الإنصات إليهم، ونوعية الخطاب الذي يوجه إليهم عندما يكون بعيداً عن لغة الشعارات. أول ما لفت انتباهي هو الطريقة التي يستقبل بها مناضلات ومناضلو الحزب الميداوي في كل جماعة يحل بها؛ ترحيب كبير يليق، قبل كل شيء، بثقافة أبناء الرحامنة في حسن الاستقبال وكرم الضيافة، لكنه في الوقت نفسه يعكس احتراماً واضحاً للرجل وللمسؤولية التي يمثلها. والأهم من طقوس الاستقبال هو ما يأتي بعدها، فعندما يأخذ المنتخبون والمناضلون والفعاليات الكلمة، لا يكتفون بالمجاملة، بل يضعون أمامه مطالبهم وإكراهاتهم بكل وضوح: طريق تحتاج إلى إصلاح، منزل لم يصله الماء، مشكل في الصحة، النقل المدرسي، أو غيرها من الملفات التي تشكل تفاصيل الحياة اليومية للساكنة. وقد بدا لي أن وراء هذا السلوك قناعة راسخة لدى المتحدثين بأن الرجل قادر على الاستماع أولاً، ثم البحث عن الحلول بعد ذلك، مستندين إلى ما راكمه من كفاءة وتجربة وعلاقات واسعة بمختلف مستويات الدولة.

لكن اللحظة الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لي تبدأ عندما يأخذ الميداوي الكلمة. هنا تجد نفسك أمام كمّ كبير من الأفكار والمعطيات التي تتداخل فيها المستويات الوطنية والجهوية والإقليمية والمحلية. ينتقل بك من قضية صغيرة تهم دواراً أو جماعة إلى قضية أكبر مرتبطة بالإقليم، ثم إلى رهانات الجهة، قبل أن يضع كل ذلك داخل سياق وطني ودولي أوسع. وهذا بالضبط ما جعلني أستعمل، في أكثر من مناسبة، تعبير «رجل دولة» لوصف الطريقة التي يتحدث بها. لا أقول ذلك لأن الرجل يشغل موقعاً أكاديمياً أو مسؤولية سياسية، وإنما لأنني لاحظت في خطابه شيئاً مختلفاً: القدرة على قراءة المشهد من الأعلى إلى الأسفل، وربط التفاصيل الصغيرة بالرهانات الكبرى، والتعامل مع الملفات باعتبارها أجزاء من صورة وطنية متكاملة. وحين يستمع إلى مطالب المناضلين والمنتخبين، لا يبدو وكأنه يستمع إليها فقط باعتبارها مطالب انتخابية، بل باعتبارها ملفات ينبغي إيجاد أجوبة لها. والأكثر لفتاً للانتباه أنني، خلال اللقاءات الخمسة التي حضرتها، لم أسمعه يسيء إلى منافس سياسي أو يوجه إليه كلاماً جارحاً، رغم أن السياق انتخابي، ورغم أن المنافسة على المقعد البرلماني حاضرة بقوة في المشهد. بل إن الرسالة التي يكررها أمام المناضلات والمناضلين هي ضرورة احترام المنافسين والتعامل معهم بأخلاق، وكأن الرجل يريد أن يقول إن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة شخصية.

وهنا بالضبط شعرت بأننا أمام تصور مختلف للعمل السياسي. فالميداوي لا يقدم نفسه، في خطاباته التي حضرتها، باعتباره شخصاً يريد المقعد البرلماني فقط، وإنما يتحدث عن المقعد باعتباره وسيلة لخدمة الوطن والمساهمة في تحقيق تنمية يستفيد منها أبناء الإقليم. بل إن أكثر ما استوقفني هو حديثه عن نهاية الولاية، حين يتمنى أن يجد نفسه أمام أبناء الرحامنة وقد قالوا له: «شكراً، لأنك حاولت، واشتغلت، وأجبت عن الإكراهات التي كانت مطروحة، ووجدت لها ما أمكن من الحلول». قد يبدو هذا الكلام بالنسبة للبعض مجرد خطاب سياسي، وهذا حقهم في التقدير والاختلاف، لكن بالنسبة لي، فإن قيمة الخطاب لا تُقاس فقط بالكلمات، وإنما أيضاً بالسلوك الذي يرافقه، وبالطريقة التي يُخاطب بها الرجل مناضليه ومنافسيه والساكنة. وفي هذا السياق، لم أجد في كلامه ذلك الاستعجال المعتاد الذي يجعل الفوز بالمقعد غاية في حد ذاته، بل وجدت حديثاً عن المسؤولية وما بعدها، وعن ماذا يمكن أن يقدم النائب لإقليمه ووطنه، وكيف يمكن أن يحول موقعه إلى فرصة لخدمة الناس. وهذا، في تقديري، فارق مهم بين من ينظر إلى السياسة باعتبارها سباقاً نحو موقع، ومن ينظر إليها باعتبارها تكليفاً ومسؤولية وامتحاناً أمام الناس.

والحقيقة أن ما أراه اليوم مع الميداوي أعادني إلى بعض مشاهد انتخابات لائحة الكرامة والمواطنة التي عايشتها عن قرب. كان هناك آنذاك شيء من هذا النفس، وإن كان بدرجة أقل وبأدوات مختلفة؛ إحساس بأن المعركة الانتخابية ليست مجرد بحث عن أصوات، وإنما محاولة لتقديم مشروع وربط السياسة بالتنمية. لكن ما أراه اليوم هو تطور لذلك الخطاب، أو ربما عودته في سياق جديد وبأدوات اخرى. وقد يختلف الناس مع عزالدين الميداوي سياسياً، وقد يتفقون معه، وقد ينجح أو لا ينجح في الوصول إلى الموقع الذي يطمح إليه؛ فهذه كلها تفاصيل تحسمها السياسة وصناديق الاقتراع. أما شهادتي أنا، فهي مرتبطة بما رأيته وسمعته خلال خمس محطات تواصلية. رأيت رجلاً يستمع قبل أن يجيب، ويشرح قبل أن يطلب، ويتحدث عن المشروع أكثر مما يتحدث عن الشخص، وعن الوطن أكثر مما يتحدث عن المقعد، وعن احترام المنافس أكثر مما يتحدث عن هزيمته. وفي زمن أصبحت فيه السياسة، أحياناً، تختصر في الصراخ وتبادل الاتهامات، فإن ظهور خطاب مختلف، هادئ، واسع الأفق، ومتصالح مع فكرة الاختلاف، يستحق على الأقل أن نتوقف عنده.

اشترك بالصحف الرقمية
هذه ليست شهادة تزكية، ولا إعلان ولاء، وإنما شهادة رجل حضر الميدان وراقب التفاصيل. ومن الميدان تحديداً، بدأت تتشكل لدي قناعة بأن عزالدين الميداوي لا يريد أن يقدم نفسه فقط كمرشح للرحامنة، وإنما يريد أن يقدم تصوراً عن رجل سياسي بعقلية رجل دولة. قد يثبت المستقبل هذه الصورة أو يصححها، فالحكم النهائي لا تصنعه الانطباعات ولا الكلمات، وإنما تصنعه الأفعال والنتائج. لكن ما يمكن قوله اليوم، بناءً على ما شاهدته في هذه المحطات الخمس، هو أن الرجل دخل إلى الميدان بخطاب يتجاوز منطق «أريد المقعد»، إلى منطق «ماذا سأفعل بهذا المقعد إن حصلت عليه؟». وبين السؤالين مسافة كبيرة، هي في نظري المسافة نفسها التي تفصل بين الطموح السياسي الشخصي وبين الإحساس بثقل المسؤولية العامة. ولذلك، فإن شهادتي اليوم ليست عن مرشح فقط، وإنما عن رجل رأيته في الميدان، وسمعته يتحدث، ولاحظت كيف يستمع وكيف يخاطب مناضليه ومنافسيه، فخرجت بانطباع واضح: عزالدين الميداوي يقدم نفسه، قبل أي شيء، بعقلية رجل دولة، ويبقى المستقبل وحده كفيلاً بالحكم على مدى قدرة هذه العقلية على تحويل الخطاب إلى فعل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.