بين هاجس “الاستغلال الانتخابي” وسلطة القانون.. تفاصيل “شد الحبل” الصامت بين وزارة الداخلية ورؤساء الجماعات
.
المغرب الجديد:
تشهد العلاقة بين مصالح وزارة الداخلية والمجالس الجماعية المنتخبة، خاصة بجهتي الدار البيضاء- سطات والرباط- سلا- القنيطرة، حالة من التوتر الصامت و”شد الحبل” المتزايد. ففي الوقت الذي يرى فيه منتخبون ورؤساء مجالس في التحركات الأخيرة لوزارة الداخلية “تضييقاً” على استقلاليتهم وتدبيراً موجهاً لشؤونهم المحلية، تبرز من الجانب الآخر تقارير تؤكد أن هذه الإجراءات تندرج في سياق حماية المال العام وضمان الحياد الإيجابي للإدارة مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية.
لم يعد الصيف فترة هدوء سياسي في كواليس الجماعات الترابية؛ فقد سجلت السنة الجارية رقماً قياسياً في عدد الدورات الاستثنائية التي دُعي إليها بشكل متسارع، حيث عقدت بعض المجالس أكثر من خمس دورات منذ مطلع السنة.
هذه الحركية الاستثنائية لم تكن دائماً برغبة من المجالس نفسها، بل جاءت بناءً على طلبات ملحة من السلطات الإقليمية (الولاة والعمال) للمصادقة على مشاريع واتفاقيات ذات أولوية، مثل:
-مجموعات الجماعات الترابية والشركات الجهوية.
-مشاريع تسيير وتدبير مرافق حفظ الصحة والوقاية.
يستند العمال في بسط رقابتهم وتوجيه مسار القرارات الجماعية إلى مقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، والذي يمنح سلطة الوصاية أدوات دستورية وقانونية صارمة تتدخل في عمق العمل الجماعي:
-صناعة جدول الأعمال (المواد 37، 39، 40): يملك العمال صلاحية الدعوة لدورات استثنائية، وإضافة نقاط يراونها ضرورية، أو رفض وإلغاء نقاط لا تتماشى مع المصلحة العامة، دون تفعيل حق المناقشة من طرف الأعضاء.
-الفيتو الاختصاصي (المادة 41): تفعيل الاعتراض المباشر على أي نقطة مدرجة لا تدخل ضمن الاختصاصات الذاتية أو المشتركة للجماعة.
-التأشير المالي (المادة 118): إخضاع المقررات المالية وميزانيات الجماعات لتأشير العامل كشرط أساسي لدخولها حيز التنفيذ، تماشياً مع دورية ترشيد النفقات.
-حلول السلطة محل المنتخب (المادة 110): ممارسة اختصاصات نوعية مثل مراقبة الأسعار، تنظيم المهن، واحتلال الملك العمومي.
خلفيات هذا التشدد الإداري لا ترتبط فقط برغبة في الهيمنة، بل تُغذيها تقارير مرفوعة من أقسام “الشؤون الداخلية” حذرت من محاولات واضحة لبعض رؤساء الجماعات وأعضاء الأغلبيات الحاكمة لاستغلال أوراق تنموية حساسة مع اقتراب انتخابات شتنبر.
وتشمل هذه الأوراق التي وضعتها الداخلية تحت المجهر:
-مشاريع إصلاح المسالك الطرقية والتهيئة الحضرية.
-عمليات الربط الفردي بالماء الصالح للشرب والكهرباء.
-توزيع مخصصات الدعم العمومي الموجهة للجمعيات المحلية لضمان ولائها.
تنبيه قانوني حازم:
يمنع القانون التنظيمي على المجالس التداول في أي نقطة أبدى العامل تعرضه عليها. وتواجه المجالس أو الرؤساء المخالفون مقتضيات المادتين 64 و73 التي تصل عقوباتها إلى التوقيف، العزل، أو حتى حل المجلس بشكل نهائي.
تفتح هذه التطورات النقاش مجدداً حول الحدود الفاصلة بين مبدأ التدبير الحر الذي نص عليه الدستور كركيزة للجهوية المتقدمة، وبين المراقبة الإدارية التي تمارسها وزارة الداخلية. وفيما يطالب المنتخبون بمرونة أكبر تتيح لهم الوفاء بوعودهم الانتخابية، ترى سلطات الوصاية أن انضباط العمل الجماعي لروح القانون والابتعاد عن الشبهات الانتخابية هو الضامن الأساسي لنجاعة السياسات العمومية محلياً.