​كابوس “الضمانات المجمدة”.. حين تُعدم الإدارة السيولة في شرايين المقاولات الصغرى!

المغرب الجديد:

​في الوقت الذي تتغنى فيه الشعارات الرسمية بتحسين مناخ الأعمال وتشجيع الاستثمار الشاب، تكشف تحركات المفتشية العامة للمالية عن واقع مرير يعيشه الاقتصاد الوطني: إدارات ومؤسسات عمومية تحولت إلى “مقابر” لسيولة المقاولات.

​لم تعد مسألة تأخر الإفراج عن الضمانات المالية (Cautions) مجرد تعثر إداري بسيط أو خطأ في مسطرة، بل أضحت سلوكاً هيكلياً يمارس “القتل البطيء” للمقاولات الصغرى والمتوسطة (TPME). فتحُ المفتشية العامة للمالية لملف 13 مؤسسة ومقاولة عمومية يستفسر الآمرين بالصرف والخزنة عن سر هذه “المبالغ المحتجزة” هو خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تأتي بعدما أُنهكت كواهل العشرات من الشركات التي وجد أصحابها أنفسهم بين فكي الملاحة القضائية وخطر الإفلاس.

​القرصنة الإدارية باسم القانون!

​كيف يعقل لمقاولة نالت صفقة عمومية، واستكملت أشغالها، وسلمت مشاريعها وفق الضوابط، أن تظل أموالها محتجزة لأشهر – بل لسنوات – دون أي سند قانوني؟

إن “الضمانة المؤقتة” و”الضمانة النهائية” اللتين وُضعتا أساساً لضمان جدية المتنافسين وجودة الإنجاز، تحولتا في يد بعض الآمرين بالصرف إلى وسيلة لابتزاز المقاول أو نتيجة لإهمال بيروقراطي غير مسؤول.

​هذا الاحتجاز غير المبرر لأموال “رفع اليد” يعني بعبارة صريحة:

  1. تجميد خطوط التمويل: خنق قدرة المقاولة على الحصول على قروض أو كفالات بنكية جديدة للمشاركة في صفقات أخرى.
  2. استنزاف الفوائد: تحمّل المقاول لفوائد بنكية إضافية عن مبالغ هي في الأصل ملكه، لكنها معتقلة في حسابات الإدارة!
  3. تدمير النسيج الاقتصادي المحلي: إزاحة المقاولات الصغرى من السوق لصالح الحيتان الكبرى التي تمتلك نَفَساً مالياً أطول يتيح لها تحمّل الشطط البيروقراطي.

​التناقض الصارخ: بوابة رقمية وممارسات عتيقة

​من المفارق المحزنة أن الخزينة العامة للمملكة أطلقت خاصية رقمية لتتبع الضمانات عبر البوابة الوطنية للصفقات العمومية لتكريس الشفافية، غير أن العقلية الإدارية لدى بعض أصحاب المشاريع ما زالت تدار بالأساليب العتيقة؛ أساليب تقوم على “التسويف” وعدم الاكتلاء بتبعات التأخير. فالإدارة لا تدفع فوائد تأخير عن احتجاز الضمانات كما تفعل تماماً عندما تتأخر المقاولة في التنفيذ!

​الحساب ولا شيء غير الحساب

​إن افتحاص المفتشية العامة للمالية لن يحقق غايته إذا اقتصر على رفع التقارير ورصد الاختلالات الإدارية. ما يحتاجه قطاع الأعمال اليوم هو ربط صارم للمسؤولية بالمساءلة:

  • تحديد أسماء وبصمات المسؤولين الذين تعمدوا أو تهاونوا في توقيع وثائق “رفع اليد”.
  • إقرار عقوبات إدارية ومالية مباشرة على الآمرين بالصرف والمصالح المالية التي تثبت ممارستها للتسويف غير المبرر.
  • تفعيل الآلية الأوتوماتيكية للإفراج عن الضمانات بمجرد انقضاء الآجال القانونية دون الحاجة لـ “مزاجية” العنصر البشري.

​إن تحرير اقتصاد البلاد يبدأ من تحرير أموال المقاولين من قبضة “البيروقراطية المجمدة”. فالمقاولة الصغرى لا تحتاج إلى منح أو إعانات بقدر ما تحتاجه إلى حقها العادل والناجز في استرجاع أموالها لتستمر على قيد الحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.