جمال مكماني…قراءة في أحد فصول كتــــاب ”المدرسة فــــي المــــدينــــة“ “العزل، الاختلاط، الخريطة المدرسية” لماركو أوبيرتي Marco Oberti..

المغرب الجديد:

الاستاذ جمال مكماني..

إننا نطرح ونثير مسألة التماسك الاجتماعي.يتعلق الأمر بمعرفة إلى أي حد يؤثر التمييز الاجتماعي والمدرسي داخل المجال الحضري على الانسجام أو التماسك الاجتماعي.
محاولة البحث عن جواب لهذا السؤال تقتضي على الأقل تحديد معنى التماسك الاجتماعي، بالنظر إلى استعمالاته ودلالات المتنوعة سواء في المجال السياسي أو في العلوم الاجتماعية.

يمكن اعتبار الانسجام أو التماسك الاجتماعي لمجتمع ديمقراطي وقويا؛ إذا كانت العلاقات والتفاعلات بين الأفراد والجماعات التي تشكله قوية ومتينة، دون استخدام القوة أو أي شكل من أشكال الضبط الاجتماعي غير المشروعة.

قوة الانسجام أو التماسك الاجتماعي لدى ماركو أوبيرتي Marco Oberti في كتابه ”المدرسة فــــي المــــدينــــة“ “العزل، الاختلاط، الخريطة المدرسية” تكمن عموما في كونها تولد اندماجا اجتماعيا قويا، تنعدم فيه النزاعات والصراعات الدائمة والعنيفة بين مختلف مكونات هذا الكل الاجتماعي، حيث يوجد شعور قوي بالانتماء. يُظهر النظام الاجتماعي وأشكال اللامساواة التي ترافقه إذن على أنها “صائبة” بما فيه الكفاية (وبالتالي مقبولة) حتى تنخرط الغالبية العظمى من الأفراد في فكرة النجاح الاجتماعي ويبنون علاقاتهم بالآخرين بالاستناد إلى مجموع الإكراهات المشتركة.

نجد الفكرة القائلة بأن قوة التفاعلات بين الأفراد وشدة التبادلات الاجتماعية تساهم في الانسجام أو التماسك الاجتماعي؛ إنها طريقة للتركيز على ما يجمع ويوحد الأفراد فيما بينهم وليس على ما يفرقهم ويبعدهم عن بعضهم البعض. نجد هذه الفكرة – حسب أوبيرتي في كتابه السابق الذكر- حاضرة في كتابات دوركايم، ليس فقط حول الاندماج الذي يشير في أحد أبعاده إلى التفاعل الضروري بين الأفراد، بل أيضا حول التضامن العضوي ما دام التركيب/التعقيد المتنامي للتقسيم الاجتماعي للشغل يستدعي تكافلا وحاجة دائمة للآخر هي التي يتأسس عليها الرابط الاجتماعي.

تذهب الأعمال التي اعتمدت على مفاهيم الثقة، الرأسمال الاجتماعي… في نفس هذا الاتجاه من خلال إبرازها لكيفية اشتغال هذه العناصر مثل منبع جماعي حقيقي.

خلافا لذلك، يظهر التماسك الاجتماعي ضعيفا عندما لا يعود التوافق حول الأسس شرعيا أو عندما يظهر كثيرا في تناقض مع التطبيقات والديناميات الملموسة لتحول المجتمع. صار الاندماج الاجتماعي إذن هشا وضعيفا.. سيوضع المنظمون الرئيسيون للعلاقات الاجتماعية موضع شك ويمكنهم أن ينتجوا توترات قوية ما بين المجموعات، من شأنها أن تسفر عن تفكك اجتماعي، والذي يمكنه أن يتخذ أشكالا عنيفة.

تنتظم التفاعلات بين الأفراد في إطارات اجتماعية وفضائية/مجالية ضيقة، تصبح أكثر اتساعا بينما تسعى التبادلات الاجتماعية إلى أن تتقلص أو تصبح أكثر عنفا.
عندما ندمج الأبعاد الفضائية/المجالية داخل تفكير كلي حول التماسك الاجتماعي يطرح إذن سؤال السلم الذي يمكننا من تقييم قوته. تكمن خصوصية حالة فرنسا، في ارتباط بالتصور الجمهوري والعلماني للمواطنة، في الاستناد إلى الأمة بوصفها فضاء اجتماعيا مميزا لتعريف الدولة، الثقافة، الهوية، والحقوق.

هكذا، يتم التفكير في التماسك الاجتماعي أساسا باعتباره انسجام أو تماسك المجتمع الفرنسي على الصعيد الوطني. يتعلق الأمر تحديدا بمشروع وبرؤية سياسية للتماسك وللاندماج الاجتماعيين.

إن الحديث عن العزل/الفصل الحضري يتيح لنا التركيز على ثلاثة مظاهر لسيرورة التمايز الاجتماعي داخل المجال. من جهة، علاقته الضيقة بالإنتاج، ناهيك عن تضخيم أشكال اللامساواة المرتبطة بالتمركز المكاني لعدة مجموعات اجتماعية أو إثنية. من جهة ثانية، فإن التوجه أو النزوع نحو الوصم المرتبط بهذا التهميش. وأخيرا، فإن كل ذلك ينتج عنه أن هذا العزل/الفصل يستند جزئيا على ممارسات قصدية من قبل الفئات الاجتماعية الأكثر حظا لوضع المسافة تجاه الفئات غير المرغوب فيها.


 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.