المغرب الجديد:
بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
يشهد المغرب تحوّلاً هادئاً وحاسماً في البنية القانونية والرقمية يفتح الباب أمام صيغ تعاقدية متقدمة مثل «عقد ريكاردِيان» الذي يجمع بين نص قانوني قابل للقراءة البشرية وكود قابل للتنفيذ. الأساس الصلب لهذا التحول قائم منذ إقرار القانون 53-05 بشأن التبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، الذي منح للكتابة والتوقيع الإلكترونيين حجية قانونية متى استوفيا شروط الأمن والثقة، وحدّد إطاراً واضحاً لمزوّدي خدمات التصديق الإلكتروني. هذا الإطار يسمح عملياً ببناء عقود رقمية موقعة ومؤمّنة، ويجعل فكرة ربط نص العقد بكوده عبر «هاش» قابلة للإثبات أمام القضاء ضمن منظومة الإثبات الإلكتروني الوطنية.
تعزّز الدولة هذا المسار عبر منظومة الثقة الرقمية التي تُشرف عليها المديرية العامة لأمن نظم المعلومات DGSSI، بما في ذلك لوائح ومعايير اعتماد مزوّدي خدمات الثقة وتحيين «قائمة الثقة الوطنية». هذا العمل التنظيمي الدقيق يوفّر طبقة الامتثال والأمن الضرورية لأي تعاقد رقمي متقدم، ويحوّل النقاش حول العقود الذكية من مجرد ابتكار تقني إلى ممارسة قانونية منضبطة.
في 2025 تسارع المغرب نحو ضبط فضاء الأصول الرقمية والتمويل اللامركزي، مع نشر مشروع القانون 42.25 الذي يقدّم إطاراً تنظيمياً لحماية المستثمرين وتنمية الاقتصاد الرقمي، ما يخلق بيئة قانونية أكثر وضوحاً للتطبيقات القائمة على البلوك تشين، ويقوّي فرص تقاطعها مع صيغ تعاقدية هجينة مثل «ريكاردِيان». هذا التوجّه لا يمنح صكّ اعتراف تلقائي بأي تقنية، لكنه يضع قواعد لعب شفافة تمكّن القطاع الخاص من الابتكار تحت رقابة وحَوْكمة واضحتين.
بالتوازي، يدفع بنك المغرب بأحد أهم أوراش السيادة النقدية الرقمية عبر دراسة العملة الرقمية للبنك المركزي «الدرهم الرقمي» وتطبيقاتها في المدفوعات المحلية وعبر الحدود بالتعاون مع مؤسسات دولية. هذا الورش يبرهن على رؤية الدولة في تحديث البنية التحتية للمدفوعات وتقليص التعاملات النقدية وتوسيع الاشتمال المالي، ويمنح منظومة العقود الرقمية أرضية عملياتية أكثر نضجاً وأمناً.
كل ذلك يتقاطع مع استراتيجية التحول الرقمي الوطنية التي تقودها مؤسسات الدولة المختصة، حيث يجري تثبيت مبادئ الحكومة الذكية والثقة الرقمية وبناء المهارات، بما يضمن أن الابتكار في العقود والتعاملات لا يبقى مجرد تجربة تقنية معزولة، بل جزءاً من سياسة عمومية متكاملة تُحسّن جودة الخدمات وتنافسية الاقتصاد. هذه المقاربة الشمولية تجعل المغرب بيئة مناسبة لتجريب صيغ تعاقدية متقدمة تحافظ على أولوية النص القانوني وتستفيد من دقة الكود وسلامة السجل الرقمي.
إن الإطار القانوني المغربي الحالي يعترف بالكتابة والتوقيع الإلكترونيين ويُنظّم الثقة الرقمية، ما يتيح قانوناً بناء عقود رقمية موقَّعة ومؤمَّنة يمكن أن تتخذ شكل «ريكاردِيان» مع اشتراطات واضحة مثل تحديد أسبقية النص على الكود وآليات التحكيم والخبرة التقنية عند النزاع. وتضيف مستجدات 2025—من مشروع قانون الأصول الرقمية إلى ورش العملة الرقمية—دَفعة جديدة تُرسّخ دور الدولة كضامن للثقة ومُمكّن للابتكار، وتفتح أمام الفاعلين فرصة تحويل العقود الذكية من وعدٍ نظري إلى ممارسة مسؤولة ضمن منظومة حوكمة رقمية وطنية.