المغرب الجديد:
بقلم الاستاذ اسليماني مولاي عبد الله
أثار التوجه نحو ربط تصحيح إمضاء عقود الكراء، سواء المتعلقة بالسكن أو بالاستعمال المهني والتجاري، بضرورة تسوية الوضعية الضريبية لأطراف العقد، نقاشاً قانونياً واسعاً حول مدى مشروعية هذا الإجراء وحدود السلطة التقديرية للإدارة. ويطرح هذا المستجد تساؤلات جوهرية تتعلق بمبدأ المشروعية، واختصاصات الجماعات الترابية، وطبيعة الخدمات الإدارية.
أولاً: الطبيعة القانونية لتصحيح الإمضاء
يُعدّ تصحيح الإمضاء إجراءً إدارياً محضاً، يهدف حصراً إلى التحقق من هوية الموقّعين على وثيقة معينة، والتأكد من أن التوقيع قد تم فعلاً من طرف المعني بالأمر أمام الموظف العمومي المختص.
ولا يمتد هذا الإجراء، من حيث طبيعته القانونية، إلى:
فحص مضمون الوثيقة؛
مراقبة مشروعيتها؛
التحقق من الوضعية الجبائية أو القانونية للأطراف.
وبالتالي، فإن تصحيح الإمضاء لا يُنشئ حقاً ولا يُقرّ التزاماً، بل يقتصر على إجراء شكلي يضمن سلامة التوقيع فقط.
ثانياً: مبدأ المشروعية وحدود القرار الإداري
يخضع كل قرار إداري لمبدأ أساسي هو مبدأ المشروعية، والذي يقتضي أن يستند أي تصرف إداري إلى نص قانوني صريح يخول للإدارة اتخاذه.
وبالرجوع إلى الإطار القانوني المنظم لاختصاصات الجماعات الترابية، لا سيما القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات والجهات، لا يبرز أي مقتضى يمنح للإدارة الجماعية سلطة تقييد تصحيح الإمضاء بإجراءات جبائية مسبقة.
كما أن النصوص المؤطرة للمصادقة على الإمضاءات لا تتضمن أي شرط يربط هذا الإجراء الإداري البسيط بتسوية الوضعية الضريبية، مما يطرح إشكال غياب السند القانوني.
ثالثاً: إشكال الاختصاص والشطط في استعمال السلطة
إن ربط تصحيح الإمضاء بتسوية الوضعية الجبائية يثير عدة عيوب قانونية، من أبرزها:
عيب الاختصاص:
فالتحصيل والمراقبة الجبائية يندرجان ضمن اختصاصات الإدارة الضريبية والخزينة العامة، ولا يدخلان ضمن المهام المخولة للجماعات الترابية أو موظفيها.
الشطط في استعمال السلطة:
ويتجلى في فرض شروط إضافية غير منصوص عليها قانوناً للحصول على خدمة إدارية، بما يشكل تقييداً غير مشروع لحق المواطنين في الولوج إلى المرافق العمومية.
انعدام المشروعية:
لغياب أي أساس قانوني يجيز هذا الربط، مما يجعل القرار مشوباً بعدم الشرعية وقابلاً للإلغاء.
رابعاً: الآثار العملية على المواطنين والمعاملات
من شأن هذا الإجراء، في حال اعتماده، أن يُحدث ارتباكاً في المعاملات اليومية، ويُثقل كاهل المواطنين بإجراءات لا علاقة لها بطبيعة الخدمة المطلوبة. كما قد يؤدي إلى:
تعطيل إبرام عقود الكراء؛
المساس بمبدأ الأمن القانوني؛
خلق تداخل غير مبرر بين المساطر الإدارية والجبائية.
خامساً: سبل الطعن والرقابة القضائية
يظل القضاء الإداري الضامن الأساسي لاحترام مبدأ المشروعية. ويحق لكل متضرر من هذا النوع من القرارات:
تقديم تظلم إداري إلى الجهة المختصة؛
وفي حال عدم الاستجابة، اللجوء إلى المحكمة الإدارية للمطالبة بإلغاء القرار.
وغالباً ما تستجيب المحاكم لمثل هذه الطلبات متى ثبت غياب السند القانوني أو تجاوز الإدارة لاختصاصاتها.
إن ربط تصحيح إمضاء عقود الكراء بتسوية الوضعية الضريبية، رغم ما قد يُبرر به من اعتبارات تنظيمية أو مالية، يظل إجراءً يفتقر إلى الأساس القانوني، ويمسّ بمبادئ راسخة في القانون الإداري، وعلى رأسها مبدأ المشروعية وتحديد الاختصاص. فحماية الحقوق وضمان حسن سير المرافق العمومية لا يتحققان إلا في إطار احترام القانون، لا بتوسيعه خارج نصوصه وحدوده.