المغرب :الرقابة الدستورية: إعادة ضبط ميزان التنظيم الذاتي للصحافة

المغرب الجديد:

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في لحظة دستورية دقيقة، أعادت المحكمة الدستورية رسم حدود العلاقة بين المشرّع والتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، مؤكدة أن حرية الصحافة لا تُحمى فقط بالشعارات، بل بضمانات قانونية دقيقة تحترم التعددية، والتوازن التمثيلي، والانسجام التشريعي. فالقرار الصادر بتاريخ 22 يناير 2026، والقاضي بعدم دستورية عدد من مقتضيات قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، لا يمكن قراءته كحدث تقني معزول، بل كرسالة مؤسساتية عميقة تعكس فلسفة الدستور المغربي في حماية الحريات المهنية من أي اختلال تشريعي قد يمس جوهرها.

إن جوهر هذا القرار يتمثل في رفض المحكمة تكريس منطق الإقصاء أو التمييز داخل بنية المجلس الوطني للصحافة، سواء بين فئات المهنيين أو داخل آليات اتخاذ القرار. فقد اعتبرت المحكمة أن إسناد مهام جوهرية، كإعداد التقرير السنوي، إلى فئة بعينها دون إشراك باقي الصحافيين المهنيين، يشكل مساسًا بمبدأ التوازن والتمثيلية الديمقراطية، وهو مبدأ لا يقتصر على المجال السياسي، بل يمتد ليشمل الهيئات المهنية ذات الطابع الدستوري أو شبه الدستوري.

ومن زاوية النظر القانونية، يندرج هذا التوجه ضمن المدرسة الدستورية الحديثة التي تعتبر التنظيم الذاتي امتدادًا لحرية التنظيم وحرية التعبير، كما وردت في الفصل 28 من الدستور. فالتنظيم الذاتي ليس تفويضًا مطلقًا للمشرّع، بل إطارًا تعاقديًا بين الدولة والمهنة، يقتضي احترام التعددية الداخلية وعدم فرض وصاية تشريعية تُفرغ هذا التنظيم من محتواه الديمقراطي. وقد جاء قرار المحكمة ليؤكد أن أي قانون يُفترض فيه تنظيم قطاع حر، يجب أن يحقق الانسجام بين مواده، وألا يفرض التزامات قانونية يستحيل أو يصعب تنفيذها عمليًا، لأن في ذلك إخلالًا بمبدأ الأمن القانوني.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن القرار ينسجم مع مقاربة الاقتصاد المؤسسي التي ترى أن استقلالية الهيئات المهنية شرط أساسي لسلامة السوق الإعلامية. فإضعاف التعددية داخل المجلس الوطني للصحافة لا ينعكس فقط على الحقوق المهنية، بل يفتح الباب أمام تركّز النفوذ الاقتصادي والإعلامي، ويهدد مبدأ تكافؤ الفرص داخل قطاع يُفترض فيه التنافس الحر وتعدد الأصوات. ومن هذا المنظور، فإن حماية التمثيلية العادلة داخل المجلس ليست مطلبًا نقابيًا فحسب، بل ضرورة لضمان توازن السوق الإعلامية واستقلالها عن مراكز الضغط المالي.

وعلى المستوى الاجتماعي، يكرّس القرار رؤية تعتبر الصحافة سلطة مجتمعية قائمة بذاتها، لا يمكن إخضاعها لمنطق الغلبة العددية أو التنظيمية لفئة واحدة. فالتعدد داخل الجسم الصحافي يعكس تعدد المجتمع نفسه، وأي تشريع يُقصي هذا التنوع يُنتج صحافة منغلقة، عاجزة عن أداء دورها في الوساطة الاجتماعية وصناعة الرأي العام الحر. وهنا تلتقي المقاربة الدستورية مع المدرسة السوسيولوجية التي ترى في الصحافة فضاءً عموميًا يجب أن يظل مفتوحًا ومتوازنًا.

إن الرسالة الأعمق التي يحملها هذا القرار تكمن في إعادة الاعتبار لدور الرقابة الدستورية كآلية تصحيح للمسار التشريعي، لا كعائق أمام العمل البرلماني. فالمحكمة لم ترفض مبدأ تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بل رفضت الصيغة التي أُنجز بها هذا التنظيم، عندما انحرفت عن روح الدستور ومبادئه. وهو ما يؤكد أن البناء الديمقراطي لا يكتمل إلا بحوار تشريعي تشاركي، يُشرك المهنيين، ويصغي لملاحظاتهم، ويحترم استقلالية مؤسسات الحكامة.

في المحصلة، يشكل هذا القرار محطة مفصلية في مسار تنظيم الصحافة بالمغرب، لأنه أعاد التأكيد على أن حرية التعبير لا تُجزأ، وأن التنظيم الذاتي ليس امتيازًا تمنحه السلطة، بل حق دستوري تحميه الرقابة القضائية. وهو درس تشريعي بليغ مفاده أن أي إصلاح قانوني، مهما كانت نواياه، يفقد مشروعيته متى مس جوهر التعددية والاستقلال، وهما الركيزتان الأساسيتان لصحافة حرة ومسؤولة في دولة الحق والقانون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.