جحور “المال الأسود” وخديعة التدقيق الحزبي: هل تحمي “أوراق الداخلية” انتخابات سبتمبر 2026 من اختراق الفاسدين؟
المغرب الجديد:
من السهل جداً على وزارتي الداخلية والمالية أن تدبّجا المراسيم وأن تنشرا في الجريدة الرسمية “دليلاً معيارياً” لتدقيق الحسابات السنوية للأحزاب. ومن أسهل الأمور على المحاسبين والخبراء أن يملؤوا الاستمارات ويصيغوا التقارير الثلاثة ويتقاضوا أتعابهم من المال العام. لكنّ القول بأن هذا إجراء كافٍ لتخليق الحياة السياسية قبيل استحقاقات 23 سبتمبر 2026، هو محاولة مكشوفة لبيع الوهم للشارع المغربي.
فالحقيقة الحارقة التي يتهرب الجميع من مواجهتها هي أن “المال السياسي” الفاسد لا يدخل عبر الباب الرسمي للحزب لكي يراه الخبير المحاسب؛ الفساد الحقيقي لا يترك فواتير.
1. وهم الرقابة على “الميزانية الموازية”
إن الحديث عن “تدقيق قانوني وتعاقدي” للحسابات الحزبية يفترض سجود الفاسدين للنصوص القانونية وهو افتراض طفولي ينفصل تماماً عن الواقع:
ـ المال السائب يعيش خارج الدفاتر: المليارات التي تُضخ لرشوة الناخبين وشراء كبار العائلات والأعيان وتجييش “بلطجية” الانتخابات لا تمر إطلاقاً عبر الحساب البنكي الرسمي للحزب. إنها تمويلات سوداء تُدار في الغرف المغلقة ولا يستطيع أي “دليل تدقيق” – مهما بلغت صرامته – أن يضع يده عليها.
ـ تبييض الفساد بعقود قانونية: حتى بالنسبة للأموال المسجلة، يمتلك النافذون في الأحزاب قدرة هائلة على شرعنة الشبهات عبر شبكات من الشركات الصورية والمقربة. يتم إبرام عقود استشارات وندوات ودراسات “قانونية شكلاً”، لكنها في الجوهر مجرد قنوات ممتدة لنزيف الدعم العمومي نحو جيوب المقربين.
2. الخبير المحاسبي: حارس مرمى أعزل أمام عمالقة النفوذ
يضع الدليل الجديد الخبير المحاسبي في واجهة المدافع عن المال العام ويمتعه بشكليات الاستقلالية (كشرط عدم وجود مصالح وتحديد المدة في 6 سنوات). لكن هذه “الاستقلالية الورقية” تسقط عند أول اصطدام بآلات النفوذ السياسي:
ـ غياب الحماية والأدوات: كيف لخبير محاسبي – يعمل في مكاتب خاصة وتتحكم الأحزاب في استدعائه أو رفضه – أن يمارس سلطات “استنطاقية” أو “تحقيقية” توازيها سلطات الضابطة القضائية؟
ـ من الرقابة إلى التواطؤ الضمني: حين يتحول التقرير المالي إلى مجرد إجراء شكلي لاستمرار تدفق الدعم العمومي، يصبح الخبير المحاسبي – بعلم أو بغير علم – مجرد “مُبيّض رسميّ” لتدبير مالي عليل ويتحول إلى غطاء تقني يغطي على جرائم الإفلات من المحاسبة.
3. الدعم العمومي: ريع سياسي بامتياز
إذا كانت الدولة جادة بالفعل في “ربط المسؤولية بالمحاسبة” قبل سبتمبر 2026، فالواجب يقضي بفرض السؤال الأشد إيلاماً: لماذا يُصرف فلس واحد من أموال دافعي الضرائب لأحزاب تحولت إلى دكاكين انتخابية؟
ـ تحول الدعم العمومي من أداة لترسيخ الديمقراطية وتأطير المواطنين إلى “ريع تنظيمي” يضمن بقاء القيادات في مناصبها ويغذي حروب المصلحة الذاتية.
ـ لم تعد مشكلة المواطن اليوم في أن الحزب يُقدم “فواتير مظبوطة” للمجلس الأعلى للحسابات، بل في كون المنتج السياسي الحزبي برمته فاسداً، وفي أن نخب “المال الأسود” هي التي تستولي على التزكيات وتتنسق المقاعد بمباركة حزبية أو صمت مريب من المؤسسات.
الخلاصة: النص موجود.. وأين هي المشنقة؟
إن “دليل تدقيق حسابات الأحزاب” ليس سوى مسكن موضعي لمرض عضال ينهك الجسد السياسي المغربي. نزاهة انتخابات 23 سبتمبر 2026 لن تحميها تقارير المحاسبين المودعة في الأرشيفات، بل تحميها إرادة سياسية حازمة تُسقط الحصانة عن كبار الفاسدين، وتحيل ملفات العبث بالمال العام مباشرة إلى القضاء الجنائي.
بدون سيف المحاسبة الزاجر، ستظل هذه القرارات المشتركة مجرد المساحيق الأخيرة على وجه ممارسة سياسية أكلها السوس.