المغرب الجديد:
حينما تتفرغ دولة بكامل أجهزتها الإعلامية والأمنية لتلفيق قضية “ستة عمال بناء” وتصويرهم كـ “خلية إستراتيجية” أطاحت بانتخابات كاملة في منطقة القبايل، فنحن لسنا أمام أزمة أمنية، بل أمام عجز سياسي يثير الشفقة قبل الغضب.
القصة أقدم وأعمق من جرد حسابات العسكر؛ منطقة القبايل لم تقاطع انتخابات يوليوز لأن “عزيراً المغربي” أو “محند القبايلي” أسرّوا لهم بذلك، بل لأن المنطقة نفضت يديها تماماً من مسرحية العسكر منذ ديسمبر 2019. المقاطعة هناك ليست قراراً أمنياً ولا شفرة تُدار من الخارج، بل هي ثقافة رفض سوسيولوجية متجذرة لشرعية مفقودة. مكاتب الاقتراع الخاوية في تيزي وزو وبجاية، التي تنافس فيها ثلاثون مرشحاً على أصوات ثلاثة عشر مصوتاً، لم تكن بحاجة لإشارة من الرباط أو بيان من “الماك” لتكون خاوية؛ كانت كذلك لأن الناس بكل بساطة قرروا ألا يكونوا حطب ردم لأزمة شرعية النظام.
غير أن عقلية “الثكنة” لا تحتمل الفراغ؛ يجب أن يكون هناك خائن داخلي وعدو خارجي، وإلا سقطت السردية التي يُصرف عليها من قوت الشعب. وهنا يأتي الإفلاس: استغلال عمال مساكين يبحثون عن قوت يومهم، وتحويلهم إلى “شبكة تجسس دولية”، فقط لتبرير لماذا لم يذهب القبايليون للتصويت! وسوء حظ النظام هذه المرة أن “المسكن التخديري” السريع لم يكن متاحاً؛ فالمنتخب الكروي خرج مبكراً من مونديال 2026، ولم يعد هناك شوط إضافي يُلهي الناس عن واقعهم السياسي المفلس.
إن إصرار قصر المرادية على تدوير هذه “الأقاصيص الركيكة” يعكس حقيقة واحدة حارقة: النظام لا يخشى تحركات “الماك” ولا “الدسائس المغربية”، بل يخشى الحقيقة المجردة الناصعة؛ وهي أن الشارع القبايلي كسر حاجب الخوف وقرر إسقاط ورقة التوت عن سلطة لا تتقن سوى صناعة الفزاعات لتغطية عورات صندوق الاقتراع.