المغرب الجديد:
فقدت اللعبة الانتخابية في الآونة الأخيرة آخر أوراق التوت التي كانت تستر عوراتها الفجة ونزل القوم إلى الميدان قبل أوان الصفارة بكثير. لم نعد بحاجة لانتظار انطلاق الحملات الرسمية لكي نرى عجائب السيرك السياسي فالمزاد العلني فتح أبوابه اليوم في وضح النهار وعلى عينك يا بنعدي بلا خجل ولا حياء وكأن “الشناقة” وسماسرة الانتخابات قرروا الاستغناء عن ظلمة الليل وعن اللقاءات المشبوهة في الغرف المغلقة، ليقودوا عمليات “البيع والشراء” تحت أشعة الشمس الساطعة!..
لقد خرج السماسرة من جحورهم دفعة واحدة، لا ليبيعوا السلع أو المواشي، بل ليعرضوا صفقات تجارية من نوع آخر، فهذا “شناق” يساوم على دوار بأكمله وذاك يتفاوض بثقة زائدة وكأنه يملك عقد ملكية حصرية لقبيلة برمتها!!!
تحول العباد والبلاد إلى مجرد أرقام في كراسات تجار المواقف وأضحت المبادئ والقيم الحزبية مجرد بضاعة رخيصة في سوق النخاسة السياسي.
والكارثة الكبرى لا تكمن فقط في جشع هؤلاء، بل في “المهارة” العجيبة التي يتمتعون بها في التنقل والسيرك الحزبي. تراه في الصباح الباكر يصفق في مدرجات “حزب القردة” وينط من غصن إلى آخر بحثاً عن المصلحة الأكبر والأعلى وقبل أن ترمش عينك، تجده قد ارتدى جلد الحساسية الجديدة في المساء ليجلس في حضن “حزب القطط” يموء بدموع التمساح ويردد شعارات النزاهة! !!!…تحول مدهش لا يخضع لأي عقيدة سياسية ولا لإيدولوجية بل يخضع فقط لبوصلة العرض والطلب ومن يدفع أكثر.
إن هذه الحملات الانتخابية السابقة لأوانها ليست مجرد خرق للقوانين والضوابط بل هي إهانة صريحة للعمل الديمقراطي ولذكاء المواطن. حين ينزل السمسار إلى الميدان مستقوياً بذمم يظن أنه يملكها وحين تتصارع الأحزاب على استقطاب هؤلاء “الشناقة” بغض النظر عن ماضيهم وحاضرهم، نكون أمام تجارة سياسية مكتملة الأركان.
لقد حان الوقت ليفهم هؤلاء السماسرة ومن يقفون خلفهم من تجار الانتخابات، أن المواطن لم يعد ذلك الكائن الذي يقاد بالولاءات الضيقة أو بالوعود الزائفة.
إن المشهد اليوم يتطلب وقفة حازمة تُعيد للسياسة شرفها المهدور وتقطع الطريق على من يحاولون تحويل الاستحقاقات الوطنية إلى مزادات علنية تُباع فيها القرى والقبائل لمن يدفع أكثر.