banner

الريع الجمعوي والتراكم السريع للثروة: هل حان وقت تفعيل “من أين لك هذا؟”

المغرب الجديد:

لم يعد خافياً على أحد ولا سيما المتتبع الدقيق لنبض الشأن المحلي أو الوطني بصفة عامة، أن العمل الجمعوي والتطوعي قد تعرض لعملية “سطو ممنهج” أفرغته من نبيل أهدافه النبيلة والتضامنية، ليتحول في كثير من المحطات إلى مقاولات خفية تدر أرباحاً طائلة على قلة قليلة اتخذت من المجتمع المدني واجهة للاغتناء السريع والريع المفضوح.

فبينما تفترض فلسفة الدعم العمومي أن تكون قاطرة للتنمية المحلية ودعماً للأنشطة الاجتماعية والثقافية التي تخدم المواطن البسيط، تتحول أموال المال العام في أحيان كثيرة إلى أرصدة بنكية خاصة ومشاريع عقارية وسيارات فارهة، تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مصدرها الحقيقي، في ظل غياب شبه تام للرقابة الصارمة والشفافية اللازمة.

إن المتأمل لواقع عدد من الجمعيات اليوم يصاب بالذهول… جمعيات وُلدت على الورق فقط ولا تقدم أي نشاط يذكر طيلة السنة، سوى تقديم تقارير أدبية ومالية “مفصلة” على المقاس قبيل مواعيد توزيع الدعم العمومي. ورغم ذلك تجد رؤساء هذه الدكاكين الجمعوية يتنقلون بسلاسة بين مظاهر البذخ والثراء السريع وهو ما يضعنا أمام مفارقة صادمة: كيف لشخص لا يتوفر على مصدر دخل معلوم، أو لمهني في قطاع هش أن يتحول بقدرة قادر إلى “رجل أعمال” ناجح ومؤثر، بفضل كرسيه على رأس جمعية تنموية أو حقوقية أو رياضية؟

هذا التناقض الصارخ يعكس بجلاء ظاهرة “الريع الجمعوي”، حيث يستغل بعض المتسولين باسم المجتمع المدني علاقاتهم ونفوذهم لابتزاز المجالس المنتخبة أوالإدارات العمومية، تارة باسم الترافع عن قضايا الساكنة وتارة أخرى باسم التنشيط الثقافي والرياضي، لتنتهي حكاية الدعم في جيوب الخواص عوض أن تصل إلى مستحقيها من الشباب والنساء والأطفال.

المؤسف حقاً أن هذا الوضع الشاذ يستمر وينتعش في ظل تساهل مقلق ومساطر معقدة لا تضمن الردع الكافي. فبينما يُطالب الموظف البسيط والأجير بأداء كل ما عليه وتبرير كل درهم في حساباته، يظل بعض رؤساء الجمعيات بمنأى عن أي مساءلة حقيقية مستغلين شعارات فضفاضة من قبيل “العمل التطوعي” لحماية أنفسهم من أي تتبع مالي دقيق.

إن استمرار هذا الفساد المقنع لا يكتفي بإجهاض المبادرة المدنية الجادة، بل يكرس شعوراً عاماً بالإحباط واليأس لدى المواطن العادي ويفقد العمل التطوعي مصداقيته التاريخية والأخلاقية.

من هذا المنطلق، لم يعد مجرد تتبع الجمعيات ترفاً فكرياً أو ملاحظة عابرة، بل أصبح ضرورة حتمية وملحة لا تقبل التأجيل. إننا ندعوا بصوت عالٍ ومن موقعنا الصحفي هذا إلى ما يلي:

– تفعيل مبدأ “من أين لك هذا؟”: في حق كل رئيس جمعية تضخمت ثروته بشكل مفاجئ تزامناً مع توليه لزمام التسيير، وإخضاع ممتلكاته وأرصدته لتحقيقات مالية دقيقة من طرف الجهات المختصة.

ـ افتحاص صارم للدعم العمومي: فرض آليات رقابة قبلية وبعلية على كيفية صرف أموال الدعم، وإلزام الجمعيات بنشر تقاريرها المالية للعموم تكريساً لمبدأ الحق في الحصول على المعلومة.

ـ غربلة المشهد الجمعوي: تطهير الساحة من “الدكاكين” الوهمية التي لا تقدم شيئاً سوى استنزاف المال العام وتشويه صورة المناضلين الحقيقيين والجادين.

– متابعة قضائية لكل متورط: في تبديد أموال الدعم العمومي أو استغلال النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية غير مبرر لها.

إن حماية المال العام وصونه من العبث تبدأ من تطهير الواجهة المدنية من طفيليات الريع. والمجتمع المدني الحقيقي بريء براءة الذئب من دم يوسف من هؤلاء المتاجرين بآلام المواطنين وطموحاتهم. فمتى تنتفض المؤسسات الرقابية بحزم لتجفيف منابع هذا الإثراء غير المشروع، وإعادة الاعتبار للعمل التطوعي النبيل؟ السؤال موجه لمن يهمهم الأمر.. والكرة في ملعب الرقابة…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.