المغرب الجديد:
جلس “با المختار” في ركنه المعتاد يرتشف رشفة من شاي “منعنع” ويعدل نظاراته وهو يتأمل عابرين يجرون وراء لقمة العيش. فجأة مرّ من أمامهما شخص يرتدي معطفاً طويلاً رغم حرارة الصيف يضع نظارات شمسية داكنة تحجب نصف وجهه ويلتصق بالهاتف وهو يهمس بنبرة حادة ووجوه متشنجة: “
نعم يا سعادة المسؤول المعطيات تحت السيطرة سأوافيك بالتقرير بعد قليل !…
التفت با المختار إلى جليسه وابتسم ابتسامة عريضة هزت تجاعيد وجهه وقال:
”شاهدتَ هذا؟ هذا هو ’جيمس بوند‘ النسخة المحلية… مخبرنا الدونكيشوتي المزيف الذي حير العقول وأدهش الفضوليين!
“تخيل معي رجلاً يختصر في جيبه ومحفظته كل مؤسسات الدولة فهو يتحرك تارة بمظلة “الصحافة المستقلة” وتارة أخرى بصفة “فاعل جمعوي وازن” وفي الكواليس وهي الأهم يهمس في آذان الدراويش بأنه “العين الساهرة” للأجهزة الأمنية العليا.
المواطن البسيط الذي لا يعلم خبايا الأمور يراه فيقشعر بدنه ويضرب له ألف حساب وحساب. يراه يلقي التحية على هذا القائد ويجلس في زاوية مقهى يراقب منها تحركات عون سلطة فيقول في نفسه: “هذا هو الرجل الذي بيده مفاتيح الحل والعقد!”.
تراه يوزع الوعود بالتدخلات ويهدد بنبرة غامضة توحي بأن لديه “خطاً ساخناً” مع العاصمة!
الحقيقة كما يرويها العارفون بخبايا “دون كيشوتنا” أعمق من ذلك بكثير. الرجل ضحية “تسمم سينمائي” حاد! أمضى شبابه يلتهم الأفلام البوليسية ومسلسلات المخابرات حتى اختلط عليه الواقع بالخيال. أصبح يستيقظ صباحاً وهو يظن نفسه في “غرفة عمليات” لإدارة الأزمات الدولية.
المضحك المبكي في الحكاية هو أن أهم قاعدة في العمل الاستخباراتي عبر العالم هي “السرية والكتمان”. المخبر الحقيقي يذوب كالسكر في الشاي لا تراه ولا تسمعه. أما صاحبنا فهو “مخبر مجاهر”! يود لو يضع لافتة فوق رأسه مكتوب عليها:
“احذروا.. أنا مخبر سري!”.
يتحرك بنوع من الاستعراض الهوليودي الذي لو اعتمدت عليه الأجهزة الأمنية فعلاً في تقاريرها لكانت الطامة الكبرى ولكانت تقارير الدولة تتحدث عن “مؤامرات كوزمية” أبطالها بائع النعناع وحارس السيارات!
لكن الكارثة الحقيقية والفقرة الأكثر سخرية في هذا الفيلم الهزلي هي أن “كذبة أبريل” هذه التي استمرت طوال العام بدأت تعطي مفعولها حتى على بعض المسؤولين والمنتخبين! نعم مع الأسف لشدة إصراره وثقته العمياء في كذبته بدأ بعض رجالات الإدارة المحلية يتوجسون منه ويفتحون له الأبواب ويصدقون أنه مدعوم من “الجهات العليا”. تراه يدخل المكاتب منتفخ الأوداج يطالب بالمعلومات باسم المصلحة العامة والكل يسايره خوفاً من تقرير “مفبرك” يطير إلى العاصمة.
إن انتحال صفة بهذه الخطورة واللعب بهيبة مؤسسات الدولة التي نعتز بمهنيتها وسريتها ليس مجرد تسلية أو “هواية” يمارسها مهووس بالسينما. إن ترك هذا “المخبر المزيف” يصول ويجول باسم الصحافة والجمعيات يمس في العمق بهيبة الدولة ومصداقية مؤسساتها التي لا تحتاج إلى “دون كيشوت” يدافع عنها بأسلحة من ورق.
استدار با المختار ليأخذ رشفة أخرى من شايه ورأى “البطل” يركب دراجته النارية وهو ينظر يمنة ويسرة كأنه يفلت من مطاردة دولية فضحك وقال:
”مسكين… تاهت به السبل بين واقع مرير وحلم بوليسي لم يجد من يوقظه منه بصفعة القانون!”