المغرب الجديد:
لم تعد معارك الهجرة غير النظامية تُدار في عرض البحر أو عند الحدود السياجية المنيعة فحسب، بل انتقلت واجهتها الحقيقية إلى الفضاء الافتراضي. فالشاشات الصغيرة التي يحملها الشباب والمهاجرون المحتملون باتت الساحة التي تقرر مسارات الذهاب نحو الخطر، بعدما تحولت شائعات “العبور الميسّر” على منصات مثل “تيك توك” و”فيسبوك” إلى طعمٍ يستدرج العشرات نحو مصير مجهول.
هدنة افتراضية وتحركات في بروكسيل..
على خلفية الأحداث الأخيرة التي شهدتها نقاط العبور القريبة من سبتة ومليلية، سارعت المفوضية الأوروبية إلى اتخاذ خطوات غير مسبوقة للحد من “التضليل الرقمي”. وأعلنت مسؤولة التكنولوجيا بالاتحاد الأوروبي، هينا فيركونن، عن اتفاق مع شركتي “ميتا” و”تيك توك” لإطلاق آلية طوارئ مشتركة لتدقيق الحقائق بالتنسيق مع وكالة الشرطة الأوروبية “يوروبول”.
تأتي هذه الخطوة بعد تزايد القلق الأوروبي من قدرة المنشورات ومقاطع الفيديو القصيرة على تحريك تدفقات بشرية مفاجئة نحو الحدود الإسبانية، بناءً على معلومات مغلوطة توهم الراغبين في الهجرة بسيادة “فراغ أمني” أو وجود “تسهيلات إدارية” تمكّنهم من العبور بسهولة ودون تبعات قانونية.
من جانبه، أرجع الجانب المغربي خلفيات هذه المحاولات الجماعية إلى استغلال منظم لشبكات الاتجار بالبشر للفضاء الرقمي، مُعزّزاً بطبيعة جغرافية مضللة. فقرب المسافة البحرية عند بعض النقاط المتاخمة لسبتة – والتي لا تتعدى عشرات الأمتار – يمنح انطباعاً خادماً بقلة المخاطر، قبل أن تنتهي محاولات السباحة بسيناريوهات مأساوية.
ولم يعد دور المنصات الرقمية يقتصر على التواصل، بل استغلته شبكات الإجرام لتسويق الوهم وتحقيق أرباح مادية؛ حيث تُستخدم المنشورات الكاذبة كأداة حشد لجلب أكبر عدد من المهاجرين، ما يخلق حالة من الفوضى الضاغطة على الأجهزة الأمنية في كلا الجانبين.
اختبار للرقابة على المحتوى.
تضع هذه الأحداث عمالقة التكنولوجيا أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى التزامهم بـ”قانون الخدمات الرقمية” الأوروبي (DSA)، والذي يفرض على الشركات التعامل السريع مع المحتوى الخطر ومكافحة المعلومات الزائفة في أوقات الأزمات.
وبينما يُرحب بالتعاون المباشر بين الأوروبيين والشركات الرقمية لمنع المآسي البحرية، يرى مراقبون أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب ما هو أبعد من حذف الحسابات وتكذيب الشائعات؛ إذ تظل الشاشات مجرد مِرآة تعكس دوافع الهجرة وتستغل الثغرات، فيما تبقى الحقيقة على الأرض مرتهنة بتفكيك شبكات التهريب مع معالجة الأسباب العميقة التي تجعل من محتوى متداول على الشاشة سبباً للقبز في المجهول.