تراجع العتبة وتصاعد السماسرة: كيف حسم “عزوف الرحامنة” وسوق الأصوات خريطة تشريعيات 2026؟
المغرب الجديد:
لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية لعام 2026 بالرحامنة مجرد محطة انتخابية عابرة، بل جاءت بمثابة زلزال سياسي صامت أعاد رسم الخريطة المحلية، إذ كشفت صناديق الاقتراع عن حصيلة متدنية ومخيبة لأغلب القوائم الحزبية المتنافسة. وبينما حسمت بعض اللوائح مقاعدها بفوارق ضيقة، رسمت الأرقام الختامية صورة قاتمة لما آلت إليه العملية الانتخابية بالمنطقة، تحت وطأة ظاهرتين هيمنتا على المشهد هو: العزوف الانتخابي الحاد والسطوة الخفية لشبكات “السماسرية” والمال السياسي.
سجل إقليم الرحامنة مع إغلاق المكاتب نسبة عزوف لافتة،إذ وجد عشرات الآلاف من الناخبين أنفسهم خارج معادلة التصويت، مخلفين وراءهم صناديق شبه خاوية في العديد من المراكز القروية والحضرية على حد سواء.
ويرى متابعون للملف المحلي أن العزوف لم يكن مجرد سلوك عفوياً، بل رسالة احتجاج صريحة من الشارع الرحماني ضد غياب برامج تنموية ملموسة والخطابات السياسية التقليدية التي تعيد إنتاج نفسها في كل استحقاق. هذا الامتناع الجماعي أدّى تلقائياً إلى خفض الحصيلة الرقمية والأصوات المحصلة لدى أغلب الأحزاب، وجعل فارق العشرات من الأصوات كفيلاً بتحديد الفائزين والخاسرين.
في الظل وعلى هامش السباق الرسمي، دارت “انتخابات أخرى” أدارها مهندسون من نوع خاص: وسطاء وسماسرة الانتخابات.
وعكست كواليس الأيام الأخيرة للحملة ويوم الاقتراع مشاهد صارخة لظاهرة “التسمسير الانتخابي”حيث لم يعد الوسيط يعمل لصالح مرشح أو حزب بعينه، بل تحول إلى “مضارب” يناور في سوق مفتوحة، يساوم عدة أحزاب ومتنافسين في نفس الوقت، مقدماً وعوداً بمنح كتلة من “الأصوات الضامنة” لمن يقدم العرض الأكبر في اللحظات الأخيرة.
وأشارت شهادات محليّة متفرقة من دواوير ومناطق الإقليم إلى أن هؤلاء السماسرة اعتمدوا استراتيجية المساومة المتعددة:
ـ استغلال العزوف: تحويل المواطنين المترددين إلى “خزان تجاري” يتم توجيهه حسب الطلب.
ـ المزايدة المفتوحة: التواصل مع وكلاء اللوائح والمتنافسين بالتوازي، ورفع سعر “الصوت” أو “الكتلة الانتخابية” كلما اشتد التنافس وقربت ساعات الإغلاق.
– السيولة الفائضة لاستكمال النصاب: ضخ أموال في الساعات الأخيرة لشراء الذمم وتغطية العجز الرقمي للوائح المتأخرة.
أدى هذا المزيج المعقد ، بين عزوف الكتلة الناخبة الواعية وتغول شبكات السماسرة إلى إفراز نتائج وُصفت بالضعيفة والهشة على المستوى المفهومي والمشروعية الشعبية. فقد وصل بعض المرشحين إلى القبة البرلمانية بأعداد أصوات هزيلة لا تعكس الثقل الديمغرافي للإقليم، بل تعكس قدرة شبكات التسمسير على تجميع “الحد الأدنى” المطلوب للفوز.
تفتح تشريعيات 2026 بالرحامنة الباب واسعاً أمام نقاش جدي وحقيقي حول مستقبل الممارسة السياسية بالإقليم، ومدى قدرة الفاعلين المحليين والجهات المختصة على خنق بؤر الفساد الانتخابي وتأطير المواطنين، لإعادة الثقة لمنظومة باتت رهينة للمزاد العلني في كل استحقاق.
