banner

​«سقوط أخلاقي وسياسي.. البرلمان المغربي من تشريع القوانين إلى الشجار على “اللهجات والميكروفونات”»

المغرب الجديد:

مرافعة تحت القبة أم عرض حكواتي؟.. هكذا تحولت قبة البرلمان إلى مرآة لواقع سياسي بائس……..

لم يعد غريباً أن تنزل المؤسسة التشريعية، المفترض فيها أن تكون مصنعاً للتشريعات الكبرى ومختبراً للنقاشات الاستراتيجية العميق، إلى درك السجالات الشعبوية والمزايدات اللفظية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وما جرى مؤخراً تحت قبة البرلمان بين النائبة ريم شباط والوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري، يعكس بوضوح أزمة التعاطي مع الشأن العام في بلد يحصي مواطنوه أنفاسهم بحثاً عن لقمة عيش كريمة، بينما تنشغل النخبة السياسية بـ”مخارج الحروف” و”نبرة الصوت”.

السجال الذي تفجر عندما انتقدت ريم شباط طريقة إلقاء رئيسة الحكومة (أو الوزيرة المعنية) ولهجتها، لم يكن سوى تعبير عن عقم خطابي يعاني منه الفريقان معاً. فعوض أن تقرع المعارضة الحجة بالحجة وتواجه الحكومة بأرقام الفشل الحقيقي في تدبير الغلاء والبطالة والأزمات الاجتماعية، اختارت معركة جانبية تافهة حول “الشكل” لا “المضمون”، مانحة إياهنّ (الحكومة وأغلبيتها) طوق نجاة مجانياً للهروب إلى الأمام.

أما الرد الذي جاء على لسان فاطمة الزهراء المنصوري، محافظة على لهجتها المراكشية ومحتمية بعبارة “أنا المغاربة ما صوتوش عليا باش نقول الهمزة ولا ما نقولهاش، صوتوا عليا باش نجاوب على انتظاراتهم”، فهو وإن كان يحمل في ظاهره مسحة من الواقعية الشعبوية، إلا أنه يغرق في ديماغوجية مكشوفة.

فالسيدة الوزيرة تتغاضى عمداً عن الحقيقة المرة: أي انتظارات للمغاربة تلك التي تجيبون عنها؟ وأي حصيلة هذه التي تتحدثون عنها بفخر بينما الأغلبية الساحقة من الشعب تعاني الأمرين جراء تدهور القدرة الشرائية وسياسات التجاهل الحكومي؟ هل الاستخفاف بالنقاش المؤسساتي والالتجاء إلى منطق “الدردشة الشعبية” هو الرد على أسئلة التنمية المعطوبة؟

إن هذا السجال الصبياني البئيس يكشف عن مرض عضال ينخر المشهد السياسي المغربي، حيث تتحول قبة البرلمان من فضاء للمساءلة الجادة والرقابة الصارمة إلى مجرد منصة لاستعراض العضلات البلاغية والمهاترات الفارغة. المعارضة تفلس في إيجاد بدائل حقيقية وتكتفي بالصيد في المياه العكرة، والأغلبية تتسلى بالهروب من المحاسبة عبر استغلال النعرات الجهوية واللغوية لاستدرار عطف الشارع.

فليتقِ الله هؤلاء وهؤلاء في هذا الوطن ،فالمغاربة لم يصوتوا لا على “مخارج الحروف” لريم شباط، ولا على “الدارجة المراكشية” لفاطمة الزهراء المنصوري، بل صوتوا  على أمل في عيش ديمقراطي حقيقي يقطع مع العبث ويكرس الكفاءة والمسؤولية. أما ما يقع تحت القبة اليوم، فليس سوى مهزلة سياسية تستوجب ثورة أخلاقية حقيقية تعيد الاعتبار لكرامة المؤسسات ولصوت المواطن المقهور.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.